ابن أبي الحديد
147
شرح نهج البلاغة
محمد صلى الله عليه وآله مربيه ومخرجه ، والعناية الإلهية تمده وترفده أن يكون منه ما كان ! * * * يقال : احتسب ولده ، إذا مات كبيرا ، وافترط ولده ، إذا مات صغيرا . قوله : ( فمنهم الآتي . . . ) ، قسم جنده أقساما ، فمنهم من أجابه وخرج كارها للخروج ، كما قال تعالى : ( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) ( 1 ) ، ومنهم من قعد واعتل بعلة كاذبة ، كما قال تعالى : ( يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) ( 2 ) ، ومنهم من تأخر وصرح بالقعود والخذلان ، كما قال تعالى : ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) ( 3 ) . والمعنى أن حاله كانت مناسبة لحال النبي صلى الله عليه وآله ، ومن تذكر أحوالهما وسيرتهما ، وما جرى لهما إلى أن قبضا ، علم تحقيق ذلك . ثم أقسم أنه لولا طمعه في الشهادة لما أقام مع أهل العراق ولا صحبهم . فإن قلت : فهلا خرج إلى معاوية وحده من غير جيش إن كان يريد الشهادة ؟ قلت : ذلك لا يجوز ، لأنه إلقاء النفس إلى التهلكة ، وللشهادة شروط متى فقدت ، فلا يجوز أن تحمل إحدى الحالتين على الأخرى .
--> ( 1 ) سورة الأنفال 6 . ( 2 ) سورة الأحزاب 13 . ( 3 ) سورة التوبة 81 .